طوف و شوف (1) : عندما كاد الهرم ان يتحول الى قناطر

 من المعروف عن محمد علي حزمه و عناده الشديدين، و رغبته في الانتهاء من الاعمال بسرعة كبيرة. و يحكي المهندس الفرنسي لينان دي بيلفوند Linant de Bellefonds  انه عندما كلفه محمد علي بتصميم و انشاء القناطر المجيدية، طلب التفرغ التام من جميع المستشارين و المهندسين بالمشروع “متى بدأنا، يجب استخدام جميع السبل و تجنب كل العقبات التي يمكن ان تعوق او تؤجل المشروع“. و قد كان دي بلفوند مقربا من محمد علي و لذلك يمكن ان نعوّل على ما كتبه في مذكراته أثناء العمل في مشروع القناطر، حيث أراد محمد علي تشهيل عملية البناء فأمر المهندس باستخدام احجار الاهرامات لبناء القناطر. لم يشأ لينان ابداء المعارضة  لعلمه ان بإمكان محمد علي استبداله بمهندس اخر ينفذ له مراده، فطلب منه مهلة لاعداد دراسة عن منطقة الجيزة، مع تقييم عملية الهدم و وضع خطة للعمل. و بالفعل تم اعداد دراسة اشتملت فيما اشتملت على ما يلي:

1-  ان أصلح الحجارة للبناء هي حجارة الهرم الاكبر، و لكن كم الحجارة به اكبر اربعة اضعاف من المطلوب لبناء القناطر، و بالتالي يجب حساب تكلفة انتقاء الحجارة المناسبة  من الهرم، بجانب تكلفة النقل من الهرم الى النيل.

2-  الحجارة الموجودة بالهرم الاصغر تقل عن الحجارة المطلوبة و لذا سيتطلب الأمر قطع حجارة من المحاجر و نقلها، بخلاف تكلفة نقل الحجارة المطلوبة من منطقة الاهرامات.

3- اياً كان الهرم المختار، توجد تكلفه اضافيه لإعادة قطع الاحجار الى المقاسات المطلوبة للمشروع.

و انتهى التقرير الى ان تكلفة المتر المكعب من الحجر المنقول من الاهرامات تبلغ 10.5 قروش، بينما ان تكلفة المتر المكعب من الحجر المجلوب من المحاجر تبلغ 8.35 قروش. و بالفعل، استمر العمل بالقناطر بحجارة مجلوبة من محاجر طره، و التي بني لها سكة حديد خصيصا، ثم توفي محمد علي قبل الانتهاء من المشروع العملاق، و تولى الحكم بعده الخديوي عباس حلمي الاول. الح عليه المهندس موجيل – الذي تم الاستعانه به بدلا من دي بلفوند- على الخديوي لاستكمال المشروع، و لكن الخديوي قال ” أنا لا ارى ما الفائدة من وجود تلك الجبال من الصخور المرصوصة فوق بعضها، فاذهب و اهدمها و استخدم حجارتها في اتمام عمل القناطر” و لكن موجيل خشي ان يعرف في التاريخ ب”هادم الاهرمات” و رفض، و تم استكمال البناء بأحجار من المحاجر.

الجدير بالذكر أن محمد علي بدأ في الاعداد لبناء القناطر عام 1834 م، و أمر بإرسال طلاب المهندس خانة الى موقع العمل للتدريب العملي اثناء المشروع، ثم توقف العمل عام 1835م لتفشي الوباء في مصر، ثم عاد و استئنف و تم وضع حجر الاساس عام 1847م. و في هذا نورد رسالة بعثها محمد علي الى الباب العالي نصها:

كما هو معلوم لدى أصحاب الفخامة و ذوي المقام العالي ان النيل المبارك يتفرع الى فرعين بعد ان يتجاوز تقريبا ثلاث ساعات، و لقد ترسخ في ضميري منذ فترة، تعمير اراضي قرى مصر المحروسة و  بلاد الريان و هي تروى من الترع التي سوف تشق على جانب كل منها، و ذلك باقامة السدود و الخزانات في اوقات انحسار الماء، و بتأسيس قنطرة ضخمة للفرعين المذكورين بدءا من بوغاز رشيد و دمياط حتى انصبابهما في البحر، و اقامة الارصفة التي تقتضي معها جلب الادوات و احضار المعدات و الاجهزة اللازمة في ظل قدرة حضرة حاكم البلاد، و بالذهاب الى موضع القناطر التي وضع اساسها من قبل و المبادرة الى وضع اول حجر اساس بيدي العاجزة يوم 23 من ذلك الشهر ربيع الاخر، و مع ايصال دعوات حضرة حامي الخلافة بالتوفيق  في تأسيس و اقامة مثل هذه الاثار العظيمة، صارت القنطرتان المذكورتان بنايتين ضخمتين ذاتا منافع و فوائد عميمة. و لقد صدر امر و فرمان يقضي باطلاق اسم عبدكم العاجز المهندس “موجيل بك” في بيت له يتعلق بتاريخ منقوش فوق قطعتين من الاحجار المؤرخة اللتين يجب تنصيبهما في اماكنهما عند اتمام البناء، و في ختام هذا الامر المرسل من  العبد الحقير يوضح لاصحاب الهمة العالية و اصحاب الفخامة و مرشدا و عارضا على اعتاب فلك مقام حضرة الحاكم بأن الترعة المذكورة – التي افتتحت و حفرت بين الاسكندرية و المكان المنتسب الى اسمه بتاريخ 25 – تنسب الى حضرة السلطان و ساكن الجنان، كما ان احراز الشهرة و التزين بزينة صحائف تواريخ الاثار يعد من جملة محاسن ملوك العصر، و على كل حال فهو امر و فرمان الى من له الامر.” في 25 ربيع الاخر سنة 1263 ه

و استمر العمل في عهد عباس حلمي، ثم من بعده الخديوي سعيد، و الذي قام بانشاء قلعة حربية بجوار القناطر سميت القلعة السعيدية، للدفاع عن البلاد (مكانها الان سجن القناطر)، ثم تم الانتهاء من البناء في عهد الخديوي اسماعيل بعد ان قام  بتعيين مهندسين للقيام باصلاحات و ترميمات في القناطر، و الناتجة عن عيوب في الاساسات. و تقدر التكلفة الكلية لانشاء القناطر المجيدية بما يزيد عن 2 مليون جنية.

(نشر هذا المقال في جريدة اهل البلد الالكترونية بتاريخ 2-5-2012: http://www.ahlelbalad.com/index.php/culture/175-elharam1)

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s